علي الهجويري

253

كشف المحجوب

التراب ، وقلت : اللهم لا تفضحني أمام هذا الكافر الذي برغم غيريته يظن في خيرا ، وأوف حسن ظني بنفسي . فلما رفعت رأسي رأيت طبقا عليه رغيفين وقد حين من الماء فأكلنا وشرينا وسافرنا في طريقنا فلما مضت علينا سبعة أيام رأيت أن أمتحنه قبل أن يطلب منى هذا البرهان ثانيا ، فقلت له : أيها الراهب ، الآن اتى دورك أرني نتيجة مجاهدتك ، فوضع رأسه على الأرض ونطق ببعض كلمات فظهر طبق عليه أربعة أرغفة وأربعة أقداح بأسرع ما يمكن . فعجبت وأسفت ويئست من مجاهداتى ، لأنى قلت في نفسي : أن هذا قد ظهر لكافر فكيف آكل وأشرب منه ، فطلب منى أن أذوقه فرفضت ذلك قائلا : أنت لست أهلا لذلك وليس هذا موافقا لحالتك الروحانية ، لأنى إذا عددتها كرامة فالكرامة لا تنسب لكافر ، وإذا عددتها معونة منك لزمني أن أتهمك بالسحر فقال لي ذق يا إبراهيم ، وأنى لأبشرك بأمرين أولهما اعتناقى الإسلام ، وإني أشهد أن لا إله إلا اللّه وان محمدا رسول اللّه ، وثانيهما بالمقام الذي أكرمك به اللّه تعالى فقلت له : كيف ذلك ، فأجابني : ليس عندي قوة للكرامة ، ولكن خجلى منك جعلني أضع رأسي على التراب ، وأسأل اللّه أن ينزل علينا رغيفين وقد حين من الماء إذا كان الإسلام دين حقا ، ورغيفين وقد حين إذا كان إبراهيم الخواص وليا من أولياء اللّه تعالى . فأكل إبراهيم وشرب ، وصار ذلك الراهب من مشاهير أولياء الإسلام هذا الأمر المخالف للعادة وإن كان منسوبا بالكرامة ولى إلا أنه أشبه بمعجزة النبي ، ومن النادر أن تحدث معجزة من معجزات نبي على يد رجل آخر . أو أن يقوم شخص آخر بكرامة ولى في حضرته ، والواقع أن نهاية الولاية هي بداية الرسالة ، هذا الراهب كان من أولياء المغمورين ، مثل سحرة فرعون ، فإبراهيم أثبت معجزة الرسول ليخالف العادة أما صاحبه فقد حاول تأكيد نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وولاية ولى من أولياء اللّه وقدره في سابق علمه . هذا فرق واضح بين الكرامة والأعجاز وفي هذا كلام كثير لا يتحمله هذا الكتاب وظهور الكرامة